12/07/2011

مصر بين قوة الثورة و ثورة القوة

ثورة .. ثورة حتي النصر .. الشعب يريد إسقاط النظام .. تغيير .. حرية .. عدالة اجتماعية . الشعب يريد محاكمة مبارك .. شلنا غفير وجبنا مشير .. يا عصام بقيت من النظام .. القصاص .. القصاص ..
إن كل حديث لا يساير الموجة السائرة الثائرة في مصرنا سيكون ضربا من الخيانة العظمي ، وأي نصيحة للثوار تخالف رؤيتهم الآن سيتم التشكيك فيها وفي صائغها وناشرها ومرددها ، ولكن سيكون أيضا وضع الثوار الذين ملأوا الدنيا دهشة وروعة وجمالا وإعجابا يتشابه كثيرا مع وضع النظام المستبد المعزول في حال رفضهم السماع لمعارضيه ونصحهم .
وأنا لست معارضا بل ثائرا مصابا بالحيرة ، مهموما بمصر والمصريين .. لا أستطيع أن أخفي فزعي مما يجري ويدور هذه الأيام ..! ولي رؤية أنقلها بقلمي الذي ما ملكت غيره يوما آداة في محاربة المفسدين واليوم هو جسري إلي إخواني الثائرين .
إنني عايشت الثورة والثوار في مرحلة يناير وحتي إزاحة مبارك ، واليوم في شهر يوليو أعايشهم أيضا ، وما بين المرحلتين رأيت دخلاء علي الثورة ومتحدثون جدد باسمها ليس بالضرورة مع المجلس العسكري ، ولكن في الميدان .. رأيتهم يتسللون يتكلمون بلغة غير لغة الثوّار الأطهار الأولي ، ويستخدمون عبارات جارحة ويأتون بأفعال خادشة .. هؤلاء لم يكن ليجرؤا يوما علي أن يقولوا ما قالوا أو يفعلوا ما فعلوا لأن الميدان في 25 يناير كانت له أخلاقا وقيما أخري وفهما آخر وأهدافا أخري ..
الميدان كما رأيته كان شفافا نقيا طاهرا بكل ما تحمل الكلمة من معني .. منزّه عن الغرّض إلا ما كان في صالح الوطن .. كنت أري الحمائم تحوم حوله وتنزل أرضه في مشهد من النوادر حدوثه ..! كان مشهدها يذكرّني بحمائم الأرض المقدسة والكعبة المشرّفة .. وكان هواء الميدان برغم كل ما أحاطه وعاصفه هو الأنقي .. كان نسيمه عليلا يشرح الصدور المؤمنة علي أرضه .. أقسم بالله أنني لم أزل أشعر بمذاقه في صدري وسريانه في دمي .. كانت الوجوه أكثر اطمئنانا وهدوء وحكمة ، وكان الثوّار كلمة واحدة وائتلافا واحدا وموقفا واحدا وعدوّهم واحدا .
خلت تلك الأيام ومع كل الإجتهادات المحمودة للبحث عن شعارات وسبل تعيد اللحمة الوطنية الثورية غير أن هذا علي الأرض لم يحدث ، فالإخوان يعودون للميدان بعد تغيير الشعار ، والسلفيين يتهمون معتصمي الميدان بالشيوعية والعلمانية ومثيري الفتن .. والنصرانيين اختفي صليبهم في هذا المشهد لكن مطالبهم بحقهم في الطلاق والمساواة كانت حاضرة .. الجميع حضروا تحت شعار واحد هو الثورة أولا ، ولكن ولأول مرة أو من قلائل المرّات التي كان الميدان فيها يقول شعارا له عند كل فصيل أكثر من معني .
الثورة أولا فهمها البعض القصاص أولا ، والبعض الآخر فهمها الحرّية أولا ، وآخرين رأوها العدالة الاجتماعية أولا ، وبعضهم جاءوا للمشاهدة والتقاط الصور التذكارية ، وثمة من جاء متأهبا لانتهاز فرصة يشعل من خلالها فتنة أو يفتعل أزمة أو يشين إلي الثوّار وصورتهم بإهانة رموز ثورية ، أو التشكيك في ذمم منضمين جدد للثورة وداعمين لها أو ساعين لمساعدة أهلها ..
الميدان الذي كان ينعم بالقوة الثورية رأيته اليوم يتحدث بلغة ثورة القوة ، والفارق كبير ..
فقوة الثورة تعني ذلك الوعي والوضوح في الرؤية والهدف ، وقوة الثورة تعني مطالب مشروعة يدعمها شعوب العالم وليس شعب مصر وحسب ، وقوة الثورة تعني القدرة علي اختيار من بإمكانه تمثيل الثوّار ، وانجاز ما يأملون ومنحه الثقة والوقت حتي يتحقق للثوار ما يريدوا .. أما ثورة القوّة التي نحن عليها الآن فقد تمخضت عن إهانة لإرادة الثوّار ورؤيتهم .. فلا يمكن أن أتخيل أن من رفعوا الأحذية ليلطموا بها الدكتور شرف مساوين بينه وبين الرئيس المخلوع في لحظة استثنائية وظرف استثنائي يمكن أن يكونوا من ريح الثورة أو من أهلها ..
إن إهانة شرف والتشكيك فيه وتشبيهه برأس النظام الراحل عيب كبير وانقلاب خطير علي أبناء الثورة ورموزها وهي الفارقة الفاصلة التي ستسمح بدخول أعدائنا من ذيول النظام السابق وأتباعه ، وسنمنحهم الفرصة كاملة وسنعيد لهم الأمل في إحداث ثورة مضادة ، أو إحداث الوقيعة بين الثوّار لتفصل بينهم القوّة فيهلك الثوّار أو تشوّه صورتهم بأيديهم وهذا ما لا أتمناه وأسأل الله ألا يقع أبدا .
صحيح أن شرفاء الثورة وعقلائها لم يسبو شرفا بظاهر اللفظ ، حيث غلّفوا سبّهم له بما وصفوه بضغوط تمارس عليه قاصدين بهذه الضغوط رجالات المجلس العسكري ، مطالبين شرفا بالخروج عليهم ليحكي لهم ما تخيّلوه هم ، وكأن شرفا طفل صغير لم يكن ثائرا ناضجا ، ورجل دولة سابقا ، وكان وهو فرد من الجرأة أن يقدّم استقالته لمبارك حين وجد من يعرقل مسيرته في وزارة النقل ، فكيف به الآن وهو من خلفه الثوّار بحبهم واحترامهم وتأييدهم ؟!
إخواني الثوّار .. إن الثورة يجب أن تبقي قوية حيّة وأنا معكم تماما في هذا ، لكن أن نتحول إلي ثورة القوّة ، ومن يمكنه أن يحشد أكثر عدد في الميدان يفوز ، فهذا ليس في صالح مصر الوطن ولا مصر الثورة ولا في صالح الثوّار ولا جموع الشعب التي غيّبها النظام المنحل لعقود طويلة ويمكن أن تسقط في يد الأرذال والذيول من أتباع مبارك فيكونوا من حيث لا يعلموا حشودا تعادينا بعد أن كانت قوة تناصرنا ..!
أخاف إخواني من أن نخسر شرفا رئيسا للوزراء ونحن لا نملك بديله الذي نجتمع عليه الآن في ظل انقسام بيننا لا يخفي علي أحد .. ففريق يري الدستور أولا وفريق يري الانتخابات أولا .. ثم رفعنا شعار الثورة أولا وكلّ رآها كما رآها وواقع الحال لم يتغير شيئا من فرقتنا واختيار شريف جديد من شرفاء الثورة سيصير أمر عصيبا وصعيبا.
ورؤيتي لما جري في خمسة أشهر وما أتمني أن يصل إلي إخواني الثوّار إذا ما افترضنا في شرف النزاهة والصدق والإيمان بالثورة وهو كذلك إن شاء الله .. أن المطالبات الثورية كانت كثيرة جدا تناثرت بين العدالة الإجتماعية وإلغاء الطوارئ وتطهير الشرطة وإلغاء أمن الدولة ومحاكمة رجال النظام المخلوع وحل المجالس المحلية ووقف تصدير الغاز لإسرائيل ، وإعداد دستور جديد للبلاد واجراء استفتاء عليه ، وتغيير المحافظين ، وإلغاء وزارة الإعلام وتطهيرها ، والإعداد لانتخابات نقابية جديدة ، وإلغاء الأحكام العسكرية الصادرة ضد بعض الثوّار ، ومحاكمتهم أمام قاضيهم المدني ، ومحاكمة قتلة الثوّار ، وإعادة الأموال المهرّبة من مصر ومحاكمة كل من شاركوا في تهريبها .... مطالب متناثرة .. كلها مهمّة وكلها جديرة أن تكون في أوائل الأولويات .. والرجل اختار حكومة كان الوزراء القدامي فيها والمحسوبين علي الحزب الوطني أو علي مبارك ليسوا في أماكن مؤثرة من شأنها عرقلة أي من هذه المطالب . فمثلا .. فيما يخص بطء المحاكمات وعلنيتها من عدمها فهذا أوكل إلي وزير عدل اختاره الدكتور عصام شرف هو محمد عبدالعزيز الجندي وهو رجل لا يشك في نزاهته وقوته في الحق ، وهو من يرأس المنظومة القضائية برمّتها .. فما ذنب شرف إن لم يقدّر الرجل الوضع السياسي وحساسية المحاكمات بالقدر الكافي ؟! وما ذنب شرف إذ لم يتنبه الوزير إلي كثير مما يجري من أخطاء قضائية عاصفة ؟! مع ضرورة الإشارة إلي الوضع الأمني في البلاد ، وما حدث ولم يزل يحدث في ساحات المحاكم من تهديد للقضاة بالقتل ، وخطف متهّمين ، وقتل وهروب آخرين ، وجميعها أسباب لا يستقيم معها القضاء كما نأمل . إذا فالخطأ عند وزير الداخلية .. وحتي وزير الداخلية هو وزير مختار من قبل الدكتور شرف معروف عنه حسن السيرة وإيمانه بضرورة تطهير الداخلية من ضباطها الفسدة ، ولكن كيف ومتي يتم هذا؟! ، والرجل في عُش الدبابير .. يتعامل مع أعتي جهاز أمني في الشرق الأوسط .. مع رجال جهاز أجهز علي مصر وشعبها منذ 30 عاما ويزيد .. ؟! كيف يصنع الرجل رجاله ليطاردوا رجال العادلي ويطردوهم ؟ إن المعركة الحقيقية التي تجري من أجل الثورة والثوّار هي في أروقة الداخلية ، والصراع رهيب وعلي أشده بين الأشرار وما أكثرهم وما أخبثهم وما أكثر أنصارهم وأعوانهم وبلطجياتهم ، وبين الأخيار وما أقلّهم ، وما أضعف حيلتهم .. فهم لن يقووا إلا بنا وبإيماننا أنهم قادرون علي فعلها وتطهير بلادنا من أعداء ثورتنا وكشفهم وحسابهم وعقابهم وردعهم إن لزم الأمر .
تقولون أن ثمة بديهيات كان يجب أن تحدث مثل وقف الضباط المتهمين بقتل الثوّار عن العمل ، وهذا صحيح ، فهل هذا يحتاج وزير داخلية أم مدير أمن ؟ هل الوزير سيقوم بكل شئ ..؟!! ، هل الوزير سيري كل شئ وسيفعل كل شئ كما يجب أن يكون في ظل كل هذه التحديات والمؤامرات والعداء بين الشعب والشرطة ..؟!
الرجل كان أمامه تحد أكبر وهو إعادة الثقة إلي رجل الشرطة ثم في رجل الشرطة وشهادة حق ، فقد قطع شوطا كبيرا في هذا ، وأزعم أن هذه أولوية لم يكن بالإمكان تجاوزها ، ولن يتحقق شيئا إلي إذا أعيدت للشرطة هيبتها ، وعادت لممارسة دورها ، وقد ساهمت القوات المسلحة إسهاما قويّا جدا في سبيل إنجاز هذا الهدف ، وعلي الأرض تم ردع ووقف والسيطرة علي كثير من الجرائم والمجرمين الذين أظهروا في أرضنا الفساد .
إخواني تقولون أن المجلس العسكري يجب أن يخرج علينا ببيان ، يجب أن يقدّرنا ، وأنتم تعلمون أن المجلس العسكري عليه مسئوليات جسام ، وهو يقدركم أيّما تقدير ، وأعماله أبلغ من أقواله ، ويجب أن نحيي نحن الوعي فينا ونمنح قياداتنا المختارين بعض الثقة ، لا نزيد أيديهم ارتعاشا ، ولا نزيد قلوبهم فزعا ، ولا نكون عبئا مضافا عليهم .. ويكفينا أننا نعلم أن مسئولينا اليوم منا ونحن منهم .. هم اليوم أسمع لنا وأقرب منا أكثر من أي عهد أو وقت مضي ، والأهم ألا نشمّت فينا أبناء ميدان مصطفي محمود ، وأعداء ثورتنا المجيدة .
قليل من الوقت إخواني تمنح الثورة قوة وتهب الوطن استقرارا وتعطي المسئولين والمستثمرين أمنا وأمانا .. كما لا يخف علينا أن مصر دولة كبيرة ، وتراكمات وسلبيات النظام البائد أكثر من أن تحصي ، والمهام جسام وأهم من تنفيذ المطالب آنيا إيجاد بديلها والحد من مسالبها إن وجدت ، وهذا يحتاج في ظل وضع مصر الراهن إلي بعض الوقت ، ولن ننتظر أدهرا بل شهورا .. رجاء شهورا .
أبوبكر أبوالمجد
صحافي وباحث مصري
المستشار العالي لوكالة أوبينيون ديبلوماتيك




0 التعليقات:

إرسال تعليق