ذكرت أن رجلا كحسن البنا محال أن يستخدم هذه العبارات القوية في وجه قادة ومسئولي ووزاريي مصر دون أن يرتكن إلي قوة عاتية قادرة علي أن تكون الحرب التي لا هوادة فيها بحسب وصفه ضد كل من يختلف مع منهج الإمام ، ولهذا رجحت أن التنظيم السري أو وجه الإخوان الآخر الذي ظلّ خفيا حتي فضحه الله بعد طول ستر كان قد تأسس بالفعل قبل هذا المقال أو هذه الرسالة بعام بل بعدة أعوام . ومن هنا أسأل نفسي والقرّاء الأماجد أي منهج إسلامي قصده الإمام حسن البنا حتي يسير إليه الساسة المرتدون ؟!
يا جماعة الإصلاح ويا أهل الصلاح كتاب الله وسنة رسوله الهادي صلوات ربي وتسليماته عليه هي أمامنا وخلفنا ومنهجنا ودستورنا ، ولكن الحياة فتحت علينا وعم الفساد بأوجه لم تكن معهودة علي زمن الحبيب وصحابته ، ونحن نختلف حين نختلف معكم ليس علي تحكيم القرآن الكريم وسنة رسوله الخاتم الحليم ؛ بل نختلف علي تناول الشارحين وتفسير المفسرين وأخذ الآخذين ونشكك في فهمهم ونهلهم وحكمهم وليس علي حكم الله ورسوله .
أنا أقبل بقطع يد السارق غير أني أري بتعطيله كحد كما رأي سيدنا عمر بن الخطاب في عام الرمادة لانتشار الفقر بين عامة المسلمين ، فعمر رضوان ربي عليه عطّل هذا الحد لأن هناك مرضا انتشر في الأمة يزيد من فتنة الفقير وحيرته ويضعفه أكثر أمام حاجته .. الأمير عمر رأي بحكمته أن الله أنزل أحكامه لا ليظلم بها العباد وإنما لينظم الحياة بينهم ، فالحد الرادع يخيف السارق فلا يسرق ويرهب الزاني فلا يزن ويرعب القاتل فلا يهم بالقتل .
ثمة أحكام واضحة في كتاب الله وسنة رسوله مثل حكم الله فيمن قتل مؤمنا خطأ أو عمدا ، وحكم شارب الخمر .. لكن ما حكم تاجر البانجو أو متعاطي الحشيش أو مدمن الهيروين ؟ ، وماذا عن قطع يد السارق وتعريف السارق في العصر الحديث ؟ والفارق بين السارق والنصاب وحكم كل منهما في الإسلام ؟ وهل تقطع اليد من الرسغ أم من الكوع أم من الكتف ، وهل سارق المليارات والملايين يتساوي وسارق البيضة والبيضتين ..؟!!
أعرّج علي هذه التساؤلات لأذكر نفسي وإياكم بأن الأحكام الشرعية في القرآن والسنة لا تشتمل علي كل ما استجد من فساد الناس هذه الأيام ، ومن ثم نحتاج كما كنا نحتاج دوما إلي الفقهاء الصالحين المصلحين غير المسيّسين ليوضحوا لنا ما أُشكل ، ويبسطوا ما غمّي علينا .
فأنا وكل مسلم يؤمن بالله ورسوله حق الإيمان نقبل بحكم الله ومنهاجه ؛ غير أننا نخاف حين نخاف ونرتاب حين نرتاب من أولئك الباحثين عن الدنيا باسم الدين ، والمتزخرفين بكل زينة وأغلب ما نراهم عليه أنهم يقولون ما لا يفعلون .
فهل كان البنا العالم الربّاني الذي كان ولازال واجبا علي الأمة اتباعه ..؟!
أنا لا أنفي ولا أثبت ، وأعترف أن الإمام رحمه الله قيمة إسلامية لها ما لها وعليها ما عليها وكلنا مجازون بأعمالنا علي الخير خيرا ، وعلي الشرّ غفرانا أو عذابا . ولكني حين أجد هذه الرسالة للإمام قبل 72 عاما ، وأنظر متسائلا أين هم هؤلاء الذين تحدث لهم إمامهم قائلا لهم تجهّزوا .. وإني قائل فاسمعوا .. وأوصاهم بأن يكونوا حربا لا هوادة فيها علي كل من يأبي العودة إلي منهج الإسلام كما رآه حسن البنا طبعا ؟! ماذا فعل هؤلاء ؟ أين مواقفهم ؟ وإذا كانت الجماعة الناجية المصطفاه التي اختارها الله لتكون هي الحاملة لأثقل أمانات الأرض وهي أمانة الإسلام لم يكفها ما يربو عن ثمان عقود لتنتصر في حربها ضد رفّاض الإسلام ، فلما لا تسأل نفسها سؤالا آخر تحل به جميع مشكلاتها مع الأمة الإسلامية جمعاء فتقول .. علّني لست الجماعة الناجية التي خبّر بها الحبيب صلي الله عليه وسلم ..؟!
ولتثق الجماعة الإخوانية وغيرها من الجماعات الأخري في معتقد أراه ينهي جميع خلافاتنا وهو أن الجماعة الناجية سيصنعها الله ولن يصنعها بشر بمعني أن الله سيؤلّف قلوبا أسلمت وجهها لله وسلّمت أمرها له جل في علاه .. آمنت واطمأنت والتقت علي جسر الله وسيرة رسوله صلي الله عليه وسلم ، وبعدها سيبعثها الله بعثا مؤيدا وينصرها نصرا مؤّزرا .. ننظم أنفسنا نعم ، نربي أنفسنا نعم ، لكن بلا تمييز بين سلفي أو إخواني أو أنصاري أو ..... ، ونعود إلي إخواننا الإخوان ومواقفهم التي تتأرجح بين التقية والموضوعية .
إسلام الإخوان المسلمين
لست صاحب هذا العنوان ولكن صاحبه هو الإمام نفسه حيث عنون إحدي مقالاته الإرشادية والتي جاء فيها نصا :
واسمحوا لي أيها الاخوان أن أستخدم هذا التعبير، ولست أعني به أن للإخوان المسلمين إسلاما جديدا غير الاسلام الذي جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عن ربه، وإنما أعني أن كثيرا من المسلمين في كثير من العصور خلعوا على الإسلام نعوتا وأوصافا وحدودا ورسوما من عند أنفسهم، واستخدموا مرونته وسعته استخداما ضارا - مع أنها لم تكن إلا للحكمة السامية - فاختلفوا في معنى الإسلام اختلافا عظيما، وانطبعت للإسلام في نفوس أبنائه صور عدة تقرب أو تبعد أو تنطبق على الإسلام الأول الذي مثله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه خير تمثيل.
فمن الناس من لا يرى الإسلام شيئا غير حدود العبادة الظاهرة فإن أداها أو رأى من يؤديها اطمأن إلى ذلك ورضي به وحسبه قد وصل إلى لب الإسلام، وذلك هو المعنى الشائع عند عامة المسلمين، ومن الناس من لا يرى الإسلام إلا الخلق الفاضل والروحانية الفياضة، والغذاء الفلسفي الشهي للعقل والروح، والبعد بهما عن أدران المادة الطاغية الظالمة. ومنهم من يقف إسلامه عند حد الإعجاب بهذه المعاني الحيوية العملية في الإسلام فلا يتطلب النظر إلى غيرها ولا يعجبه التفكير في سواها، ومنهم من يرى الإسلام نوعا من العقائد الموروثة والأعمال التقليدية التي لا غناء فيها ولا تقدم معها، فهو متبرم بالإسلام وبكل ما يتصل بالإسلام، وتجد هذا المعنى واضحا في نفوس كثير من الذين ثقفوا ثقافة أجنبية ولم تتح لهم فرص حسن الاتصال بالحقائق الإسلامية فهم لم يعرفوا عن الإسلام شيئا أصلا، أو عرفوه صورة مشوهة بمخالطة من لم يحسنوا تمثيله من المسلمين.
وتحت هذه الأقسام جميعا تندرج أخرى يختلف نظر كل منها إلى الإسلام عن نظر الآخر قليلا أو كثيرا، وقليل من الناس أدرك الإسلام صورة كاملة واضحة تنتظم هذه المعاني جميعا.
هذه الصور المتعددة للإسلام الواحد في نفوس الناس جعلتهم يختلفون اختلافا بينا في فهم الإخوان المسلمين وتصور فكرتهم، فمن الناس من يتصور الإخوان المسلمين جماعة وعظية إرشادية كل همها أن تقدم للناس العظات فتزهدهم في الدنيا وتذكرهم الآخرة، ومنهم من يتصور الإخوان المسلمين طريقة صوفية تعنى بتعليم الناس ضروب الذكر وهون العبادة وما يتبع ذلك من تجرد وزهادة، ومنهم من يظنهم جماعة نظرية فقهية كل همها أن تقف عند طائفة من الأحكام تجادل فيها وتناضل عنها وتحمل الناس عليها وتخاصم أو تسالم من لم يسلم بها معها، وقليل من الناس خالطوا الإخوان المسلمين وامتزجوا بهم ولم يقفوا عند حدود السماع ولم يخلعوا على الإخوان المسلمين إسلاما يتصورونه هم، فعرفوا حقيقتهم وأدركوا كل شيء عن دعوتهم علما وعملا. ولهذا أحببت أن أتحدث لحضراتكم في إيجاز عن معنى الإسلام وصورته الماثلة في نفوس الإخوان المسلمين، حتى يكون الأساس الذي ندعو إليه ونعتز بالانتساب له والاستمداد منه واضحا جليا:
نحن نعتقد أن أحكام الإسلام وتعاليمه شاملة تنتظم شؤون الناس في الدنيا وفي الآخرة، وأن الذين يظنون أن هذه التعاليم إنما تتناول الناحية العبادية أو الروحية دون غيرها من النواحي مخطئون في هذا الظن، فالإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، ودين ودولة، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف. والقرآن الكريم ينطق بذلك كله ويعتبره من لب الإسلام ومن صميمه ويوصي بالإحسان فيه جميعه، وإلى هذا تشير الآية الكريمة: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك) (القصص .
واقرأ في القرآن وفي الصلاة إن شئت قول الله تبارك وتعالى في العقيدة والعبادة: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) (البينة .
وتقرأ قوله تعالى في الحكم والقضاء والسياسة: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) (النساء). وتقرأ قوله تعالى في الدين وفي التجارة: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا، فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها واشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد) (البقرة.
وتقرأ قوله تعالى في الجهاد والمال والغزو: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم. ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة، ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم) (النساء. الى غير ذلك من الآيات الكثيرة البارعة في هذه الأغراض نفسها وفي غيرها من الآداب العامة وشؤون الاجتماع.
وهكذا اتصل الإخوان بكتاب الله واستلهموه واسترشدوه فأيقنوا أن الإسلام هو هذا المعنى الكلي الشامل، وأنه يجب أن يهيمن على كل شؤون الحياة وأن تصطبغ جميعها به وأن تنزل على حكمه وأن تساير قواعده وتعاليمه وتستمد منها ما دامت الأمة تريد أن تكون مسلمة إسلاما صحيحا، أما إذا أسلمت في عبادتها وقلدت غير المسلمين في بقية شؤونها، فهي أمة ناقصة الإسلام تضاهىء الذين قال الله تعالى فيهم: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون) (البقرة.
إلى جانب هذا يعتقد الإخوان أن أساس التعاليم الإسلامية ومعينها هوكتاب الله تبارك وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، اللذان إن تمسكت بهما الأمة فلن تضل أبدا؟ وأن كثيرا من الآراء والعلوم التي اتصلت بالإسلام وتلونت بلونه تحمل لون العصور التي أوجدتها والشعوب التي عاصرتها.
ولهذا يجب أن تستقى النظم الإسلامية التي تحمل عليها الأمة من هذا المعين الصافي معين السهولة الأولى، وأن نفهم الإسلام كما كان يفهمه الصحابة والتابعون من السلف الصالح رضوان الله عليهم، وأن نقف عند هذه الحدود الربانية النبوية حتى لا نقيد أنفسنا بغير ما يقيدنا الله به، ولا نلزم عصرنا لون عصر لا يتفق معه، والإسلام دين البشرية جميعا.
وإلى جانب هذا أيضا يعتقد الإخوان المسلمون أن الإسلام كدين عام انتظم كل شؤون الحياة في كل الشعوب والأمم لكل الأعصار والأزمان، جاء أكمل وأسمى من أن يعرض لجزئيات هذه الحياة وخصوصا في الأمور الدنيوية البحتة، فهو إنما يضع القواعد الكلية في كل شأن من هذه الشؤون، ويرشد الناس إلى الطريق العملية للتطبيق عليها والسير في حدودها.
ولضمان الحق والصواب في هذا التطبيق أو تحريهما على الأقل، عني الإسلام عناية تامة بعلاج النفس الإنسانية وهي مصدر النظم ومادة التفكير والتصوير والتشكل، فوصف لها من الأدوية الناجعة ما يطهرها من الهوى ويغسلها من أدران الغرض والغاية ويهديها إلى الكمال والفضيلة، ويزجرها عن الجور والقصور والعدوان؟ وإذا استقامت النفس وصفت فقد أصبح كل ما يصدر عنها صالحا جميلا.
يقولون إن العدل ليس في نص القانون ولكنه في نفس القاضي، وقد تأتي بالقانون الكامل العادل إلى القاضي ذي الهوى والغاية فيطبقه تطبيقا جائرا لا عدل معه .. وقد تأتي بالقانون الناقص والجائر إلى القاضي الفاضل العادل البعيد عن الأهواء والغايات فيطبقه تطبيقا فاضلا عادلا فيه كل الخير والبر والرحة والإنصاف، ومن هنا كانت النفس الإنسانية محل عناية كبرى في كتاب الله، وكانت النفوس الأولى التي صاغها هذا الإسلام مثال الكمال الإنساني، ولهذا كله كانت طبيعة الإسلام تساير العصور والأمم، وتتسع لكل الأغراض والمطالب، ولهذا أيضا كان الإسلام لا يأبى أبدا الاستفادة من كل نظام صالح لا يتعارض مع قواعده الكلية وأصوله العامة.
لا أحب أيها السادة أن أسترسل في هذا البيان فذللك باب واسع وحسبنا هذه الإلمامة الموجزة تلقي ضوءا على هذا المعنى العام للفكرة الإسلامية في نفوس الإخوان المسلمين.
لم تنته مقالة الإمام لكننا نكتفي بهذا القدر منها سائلين معلّقين .. أبعد ما قال الإمام شك في أنه كان يري جماعته هي الجماعة الحقة ، والناجية والفاهمة للإسلام مظهرا وجواهرا .. دينا ودنيا ؟ فهل صدق الإمام وهو يقول أن الإخوان هم من فهموا الإسلام صافيا كما كان في العهد الأول ؟ هل كان الإمام موفقا وهو يتحدث إلي أفراد جماعته منزّها ومطهرا لها ، وهكذا كان شأنه دوما يحدثهم عما يعانوه من اضهاد وظلم ولا يذكرهم بأخطائهم أو جرائم بعضهم ..!!
أبوبكر أبوالمجد
صحافي وباحث مصري
المستشار العالي لوكالة أوبينيون ديبلوماتيك

0 التعليقات:
إرسال تعليق