09/07/2011

الإخوان المسلمون بين التقية والموضوعية (2)

ارتباك دائم في فكر الإخوان :
كان موقف الإخوان إما غائباً ، أو ملتبساً ، أو مشبوهاً في قضيّة فلسطين العربية ، وأظهرت فتيا البنا أن السياسة والعلاقات الهادرة للمال منذ نشأة الجماعة تسيطر علي مواقفها بل وأحكامها الشرعية غالبا ، علي عكس تنظيم آخر كانت فكرته أكثر وضوحا مع كامل معارضتنا لممارساته وسياساته ، وهو تنظيم القاعدة . فبرغم تعاونه مع المخابرات الأمريكية في بدء تنشئته لدحر الروس آنذاك ؛ غير أنه عادي الأمريكان بعد ذلك ووضع استراتيجيته وأهدافه وتحدي جميع القوي العالمية المعارضة له أمريكية كانت أو أوروبية ، وجعل من الجهاد بكافة الوسائل العسكرية والتكنولوجية أساس فكره ودعوته مستندا إلي نفس الظروف تقريبا التي عاشتها الأمة الإسلامية إبان نشأة جماعة الإخوان . فهناك الهيمنة الأمريكية الغربية علي المصالح الشعبية الإسلامية وأنظمة بات انبطاحها سافرا للمهيمن الغربي ، ونزيف الدم الفلسطيني بل والإسلامي هو هو كما كان في عام 1948 بل ويزيد ، وعلي العكس فإن تنظيم القاعدة أضعف من تنظيم الإخوان آنذاك وحتي وقتنا هذا ، فالقاعدة بالنسبة للإخوان الذين تمتد دعوتهم في أكثر من 64 دولة في قارات العالم الست لا تمثل نسبة تذكر ؛ وبالرغم من هذا بقيت حالة التلبس والآراء والفتاوي التي تحمل أكثر من وجه هي سمة الجماعة وسمتها .
ويصف ما أسلفت ما جاء في مذكرات البنا صــ 72 ( الدعوة والداعية ) حين زاره بعض تلامذته يقول الإمام :
«في مارس (اذار) 1928 زارني بالمنزل أولئك الإخوة الستة: حافظ عبد الحميد، أحمد الحصري، فؤاد إبراهيم، عبد الرحمن حسب اللَّه، إسماعيل عز، زكي المغربي، وهم من الذين تأثروا بالدروس والمحاضرات التي كنت ألقيها... قالوا: لقد سمعنا ووعينا، وتأثرنا ولا ندري ما الطريق العملية إلى عزّة الإسلام وخير المسلمين، ولقد سئمنا هذه الحياة، حياة الذل والقيود، وها أنت ترى العرب والمسلمين في هذا البلد لا حظّ لهم من منزلة أو كرامة، وأنهم لا يعدون مرتبة الأجراء التابعين لهؤلاء الأجانب، ونحن لا نملك إلا هذه الدماء تجري حارة بالعزّة في عروقنا، وهذه الأرواح تسري مشرقة بالإيمان والكرامة مع أنفاسنا، وهذه الدراهم القليلة من قوت أبنائنا... وكل الذي نريده الآن أن نقدم لك ما نملك لنبرأ من التبعة بين يدي اللَّه، وتكون أنت المسؤول بين يديه عنا وعما يجب أن نعمل، وإن جماعة تعاهد اللَّه مخلصة على أن تحيا لدينه، وتموت في سبيله، لا تبغي بذلك إلا وجهه، لجديرة أن تنتصر، وإن قل عددها، وضعُفت عُددُها... فقلت لهم في تأثر عميق: شكراً للَّه لكم وبارك هذه النية الصالحة، ووفقنا إلى عمل صالح، يرضي اللَّه وينفع الناس، وعلينا العمل وعلى اللَّه النجاح. فلنبايع اللَّه على أن نكون لدعوة الإسلام جنداً، وفيها حياة الوطن وعزّة الأمة» .
هكذا تحدث تلامذة البنا عن أوضاع الإسلام والمسلمين في ظل الإحتلال الأجنبي ، وكيف أنهم يريدون الحياة لدين الله ويموتون في سبيله ؟ لكن الإمام كانت له علي ما بدا حسابات أخري ، فلعله رأي في نفسه المهدي المنتظر ، ففعل متأسيا برسولنا العظيم محمدا صلي الله عليه وسلم ، فابتغي تقوية الشوكة أولا ناسيا أو متناسيا أن النبي صلي الله عليه وسلم وهو يقوي الشوكة لم يجلس مع المشركين ليدعموه ماديا ، ولم يذهب إلي الطائف لينصروه سياسيا ؛ ولكنه في مكة والمدينة كان يجاهد ويجاهر بدعوته الجلية الواضحة ويدفع الثمن في الحال من كرامته ومكانته وانسانيته .
ويجب ألا يغفل الإخوان أن الإمام حسن البنا لم يستطع تقدير قوة الحركة الصهيونية مع كل ما ملك من علم وحضور ووعي بما يدور حوله ، وهذا يدلل أن التنظيم الإخواني كان حسن البنا وفقط ، وإلا لتمكن رؤوس التنظيم أو الجماعة من قياديين ومفكرين أن يساعدوه ويلفتوا انتباهه إلي ما قد غاب ويغيب عنه في إطار التحركات العالمية . كما ألفت انتباه الإخوان إلي ما تناسوه من كتاباتهم حول خطر اليهود علي العالم الإسلامي في مجلتهم ( النذير ) قبل عشر سنوات من إعلان دولة إسرائيل عام ،1948 غير أن هذه الكتابات كانت لا تُقرأ علي ما يبدو لأنها لم تكن للإمام الملهم ..!
تمكن الإمام البنا من تجنيد بعضا من أعضاء الجماعة ليجوبوا ربوع القطر المصري داعين إليها ومعرّفين بنهجها ومنهاجها ، وكان لهؤلاء الفضل في ذيوع صيت الجماعة إلي الحد الذي لفت انتباه الإنجليز وأزعج القيادات الأمنية في المحروسة وجذب الأسرة الحاكمة في المملكة الناشئة – المملكة العربية السعودية – والتي دانت بفكر قريب إن لم يكن متطابق مع فكر الزعيم الإسلامي الجديد حسن البنا . ولم يخف أبدا دعم المملكة السخي للبنا وجماعته وبدا هذا واضحا في انشاءات الإخوان من مؤسسات الحركة والدعوة إلي مدرسة التهذيب التي يدرّس فيها القرآن والحديث والفقه إلي دار الإخوان ومسجدهم ، فضلا عن معهد حراء الإسلامي الذي كان يدرّس فيه العلوم الدينية أول النهار والعلوم المهنية باقي النهار، وإنشاء مدرسة أمهات المؤمنين .. (وقد اشتملت الدار بعد بنائها على مسجد ومدرستين إحداهما للبنين والأخرى للبنات ونادٍ، ومصانع صغيرة ) .
تم هذا كله في أقل من خمس سنوات حيث انتقل البنا وانتقل معه المركز العام للإخوان المسلمين إلي القاهرة في عام 1932 .
جماعة البنا في القاهرة :
بعد انتقال البنا وجماعته إلي عاصمة المحروسة بعام واحد وعقد مؤتمرهم العام الثاني (نهاية عام 1933) حول مسائل الإعلام والدعاية للجماعة أقر تأسيس شركة لإنشاء مطبعة خاصة للإخوان المسلمين، وأصدرت الجماعة بعد المؤتمر عدة صحف: في البداية صدرت جريدة "الإخوان المسلمون" الأسبوعية وبذل الإخوان جهداً ضخماً لزيادة توزيعها (وقد استمرت الجريدة في الصدور حتى عام 1938 حين توقفت بسبب النزاع بين البنا ورئيس تحريرها محمد الشافعي) ، ولعل المقالة الأولي للأستاذ حسن البنا التي قرّظت مجلة ( النذير ) تضع أمامنا أسباب الخلاف مع رئيس تحرير جريدة الإخوان المسلمين وقد كانت بعنوان – أيها الإخوان تجهزوا – وقارئ هذه السطور المنصف لا يجد أدني معاناة من فهم الرجل وكيف كان يري نفسه ؟ إنه في بدء مقالته يتحدث عن عشر سنين من عمر الجماعة تنازل فيها وأتباعه عن الدخول في القضايا الكبري خوفا علي أن يزيد فرقة المتفرقين ، ويوسع فجوة المختلفين .. يقول هذا وقد جاءه قبل عشر سنين من يبايعوه ويعلنوا استعدادهم لأن يضحوا بأرواحهم في سبيل التخلص من التبعية للأجنبي ؛ بينما الشيخ لم يكن مهتما أصلا بهذه المسألة حتي كتابة مقالته ..!
فالشيخ بعد عشر سنوات ومن واقع ما كتب يعلن عن نفسه التي يراها بعثا جديدا للإسلام ، وكلامه واضح .. أقول لكم فاسمعوا :
سننتقل من حيز دعوة العامة فقط إلي حيز دعوة الخاصة أيضا ومن دعوة الكلام وحده إلي دعوة الكلام المصحوب بالنضال والأعمال ، سنتوجه بدعوتنا إلي المسئولين من قادة البلد وزعمائه ووزرائه وحكامه وشيوخه ونوابه وهيئاته وأحزابه وسندعوهم إلي منهاجنا ونضع بين أيديهم برنامجنا وسنطالبهم بأن يسيروا بهذا البلد المسلم بل زعيم الأقطار الإسلامية في طريق الإسلام في جرأة لا تردد معها ، وفي وضوح لا لبس فيه ومن غير مواربة أو مداراة فإن الوقت لا يتسع للمداورات ، فإن أجابوا الدعوة وسلكوا السبيل إلي الغاية آزرناهم ، وإن لجأوا إلي المواربة والروغان وتستروا بالأعذار الواهية والحجج المردودة ، فنحن حرب علي كل زعيم أو رئيس حزب أو هيئة لا تعمل علي نصرة الإسلام ، ولا تسير في الطريق إلي استعادة حكم الإسلام ، ومجد الإسلام . سنعلنها خصومة لا سلم فيها ولا هوادة معها حتي يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين .
وبرغم أن كثيرا من المؤرخين رأو بأن تنظيم الإخوان السري تكوّن عام 1939 غير أني أراه تأسس قبل ذلك بأعوام ، فمحال أن تكتب مقالة بهذه القوة إلا إذا كان صاحبها يرتكن إلي قوة كبيرة قادرة ، وبخاصة لو كان صاحبها رجل كحسن البنا ، ويجب أن أنوّه أن المملكة العربية السعودية وتحديدا في العام 1938 كانت قد شرعت في تصدير البترول للدول الغربية .
واضح من سطور الرجل أنه كان في حالة نرجسية شديدة ، مخدوع بما حققه في وقت قصير من وجود الأنصار والأموال والصيت ، كما أراه مهووسا بمشوار رسولنا الحبيب صلي الله عليه وسلم في الدعوة إلي الله إلي حد التوحد معه . وأنا حين أقول التوحد فإني أعنيه نظرا لكون الإمام في الأصل من الصوفيين الذين يؤمن كثيرون منهم بهذه الفكرة ؛ غير أنهم يرونه مع الله وهو رآه مع رسوله ..!
إن الشيخ يتحدث بمنتهي الصلف عن دعوة سمحة لا تعترف بما كتب ، ولا ترتقي للخطاب مع من سماهم بالقادة والمسئولين والرؤساء والشيوخ ، فمصر آنذاك ومع كل مآسيها الاقتصادية والسياسية كانت تنعم بأزهي عصورها الأدبية والفكرية وفي شتي الميادين ، وكان الوفد هذا الحزب الكبير الذي قاد ثورة عام 1919 ضد المحتل الإنجليزي ، وسار خلفه أبناء الشعب المصري كان عشرة من أصل أربعة عشر عضوا بالهيئة العليا الأولي به من طبقة ملاك الأراضي – الإقطاعيين – أي أن البلد التي تحدث عنها الإمام كانت مليئة بالتناقضات فلم يكن كل إقطاعي زنديق أو عميل وليس كل فقير ملك منزّه ؛ ولكن الشيخ ومن وحي ما كتب أري أنه كان يراسل ملوك الفرس والروم وليس الطبقة الحاكمة في مصر المسلمة التي وصفها بأنها أعظم الأقطار الإسلامية ..!
فلا يتفق هذا التهديد والوعيد بما ختم به عبارته قائلا : حتي يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق ..!
ونستكمل المسير في مقالنا القادم بإذن الله .
أبوبكر أبوالمجد
صحافي وباحث مصري
دراسات عليا في النظم السياسية
عضو مجلس المستشارين بوكالة أوبينيون ديبلوماتيك

0 التعليقات:

إرسال تعليق