نشأت الجماعة العريقة المعروفة بالإخوان المسلمين في مصر عام 1928 علي يد الإمام حسن البنا هادفة إلي الإصلاح الشامل من منظور إسلامي ، ولأن الإمام حسن البنا كان ذكاءه وحضوره بلا حدود ، فكانت أحلامه أيضا بلا حدود .. حيث سعي الإمام سريعا للكشف عن طموحه المرعب بالنسبة لكثير من الملوك والرؤساء العرب والغربيين بأستاذية العالم ، فوفق مبادئ الجماعة وفي سبيل الإصلاح المجتمعي المنشود تسعي الجماعة أولا إلي إصلاح الفرد المسلم ثم الأسرة المسلمة ثم المجتمع المسلم ثم خلق الحكومة الإسلامية فالدولة الإسلامية فأستاذية العالم وفقا للأسس الحضارية للإسلام .
وما بين البنا وجماعته منذ العام 1928 حتي العام 2011 شئونا وأحداثا نقلت التنظيم العالمي الإسلامي الأكبر وفجأة من مرحلة الغبن والقهر والتصادم مع السلطة إلي مرحلة ما بعد الثورة المصرية العظيمة ، والتي مكنت الإخوان ولأول مرة من إنشاء حزب سياسي معترف به ،والإسهام في البناء الديمقراطي الوطني والجلوس جنبا إلي جنب مع السلطة الحاكمة في مصر ، بل ومشاركة رموزها القانونية في وضع المبادئ الدستورية .
فلنتعرف علي الإخوان أولا ثم نعرّج علي أبرز المواقف والمراحل التي مرّوا بها خلال هذه الحقبة التاريخية لنري ءبالتقية يدينون أم بالموضوعية يؤمنون ..؟!
البداية :
وكعادة البدايات تكون ضعيفة هادئة ؛ فلم يكن أحد من أصحاب الجاه والسلطان ليهتم بما يقوله شاب فلاح قادم من دمنهور حتي تمكن البنا عقب تخرجه من دار العلوم عام 1927 وتعيينه مدرسا بمحافظة الإسماعيلية من تنشيط دعوته والسعي الدءوب إلي مخاطبة أهالي المحافظة مستغلا وجود الإنجليز المدنيين والعسكريين في كل شبر منها حيث كانت مقرا لإدارة شركة قناة السويس .
فارتاد البنا المقاهي والمساجد رافعا لواء الدعوة الإسلامية الخالصة لوجه الله والتي لا تبتغي سوي رضاه جلّ في علاه ؛ الأمر الذي ساهم كثيرا في قبول أهل الإسماعيلية للدعوة وصاحبها ، وهنا يجب الإشارة إلي طبيعة المجتمع المصري المتحفظ والمتدين بجيناته وأصل نشأته ، فحتي اليوم كل من يريد أن يكسب شعبية وأرضا عند جمهور المجتمع المصري فما عليه إلا أن يحدّثهم بالدين ، وبقدر ما يملكه من وسائل الجذب ولفت الانتباه والعلم يمكنه أن يمتلك الصيت والشهرة والسمعة وثقة الناس .
والبنا بإجماع أعدائه قبل مناصريه كانت لديه من القدرات الذهنية والعقلية والعلمية ما يمكننا وصفها بالخارقة التي قلّما نجدها في قيادي مسلم . فهو صاحب فصاحة وحجة ولا يباريه أحد في قدرته علي امتلاك الألباب وجذب الأسماع وتحريك المشاعر مستخدما أسهل الأساليب في التوضيح وأبسط العبارات ، يعينه في ذلك علمه الغزير وثقافته المتنوعة حتي أن الإمام الجليل محمد الغزالي رحمه الله وصفه بأنه دائرة معارف واسعة .
وعن تميز شخصية البنا يقول سعيد حوى: «لقد تجلت عبقرية الداعي مع كثرة جوانب هذه العبقرية ومجالاتها في ناحيتين خاصتين لا يشاركه فيهما إلا القليل النادر من الدعاة والمربين:
أولاهما: شغفه بدعوته وإيمانه واقتناعه بها وتفانيه فيها وانقطاعه إليها بجميع مواهبه وطاقاته ووسائله، وذلك هو الشرط الأساسي والسمة الرئيسية للدعوة والقادة.
والناحية الثانية: تأثيره العميق في نفوس أصحابه وتلاميذه، ونجاحه المدهش في التربية والإنتاج، فقد كان منشىء جيل ومربي شعب وصاحب مدرسة علمية فكرية خلقية .
يحكي والد البنا كما تقول الرواية الرسمية للإخوان أن ابنه وهو في العاشرة من عمره قد هم بتحطيم تمثالا داعرا لإمرأة عارية ، ويستشهد الإخوان بهذه القصة للإشارة إلي كون قائدهم منذ طفولته كان تقيا مهديا ..! لكن حقيقة الحال أن البنا ظل هكذا لا يملك القدرة علي ترتيب الأولويات الفقهية ، لأن الحقيقة أيضا أن البنا لم يكن عالما دينيا بمعني الكلمة وفي رأيي أن نظيره في هذا العصر هو الدكتور عمرو خالد ، ولا يفرقهم سوي ملكات حسن البنا سالفة الذكر والتي وهبه الله إياها .
إن حسن البنا بقي لا يعرف أيقاتل الإنجليز أم لا يقاتلهم ، ويبقي علي وجودهم بل ويقبض منهم لدعم جماعته وفكرته حتي تقوي شوكتها وبعدها يشرع في الجهاد الذي ظل من أدبيات الإخوان . فقد أقام البنا شبكة علاقات سياسية واسعة مع سلطات الإحتلال البريطاني ، وتنظيم المعلومات للإخوان لا ينفي هذا ؛ بينما كانت الجماعة تضع في أوائل اهتماماتها مقاومة الإباحية وتكوين الشخصية الدينية المتصوفة .
حتي بعد أن قويت شوكة الجماعة وأصبح لها اسم يهز المحروسة ويلفت انتباه الأسرة الحاكمة في المملكة العربية السعودية ظل البنا يلعب نفس الدور ؛ لكن هذه المرّة لصالح العرب حيث أوصي وأفتي حسن البنا بعدم تدخل الحكومات العربية وجيوشها في فلسطين عام 1948 ..! وأضاف البنا لو أصبح القتال ضروريا فيجب أن يقوم الشعب الفلسطيني بالمهمّة ..!
صحيح أن أدبيات الإخوان تتحدث عن جهاد الإخوان في فلسطين لكن الأمر لا يعدو كونه دعاية مجانية فلا يوجد أي دليل لدي الإخوان علي دورهم العسكري في حرب فلسطين ، باستثناء دورهم التمويني في الفالوجة المحاصرة . وأنا أشبه دعاياهم ومدعاتهم البطولات في حرب فلسطين بما نسبوه لأنفسهم عقب نجاح الثورة المصرية ، بأنهم مشعل الثورة وحماتها وأنهم الذين كانوا في مقدمة الثوار في معركة الأربعاء الثاني من فبراير المنصرم والتي عرفت إعلاميا بموقعة الجمل ، وأنهم المخططون والمنظمون الداعمون والدافعون ، ولا دليل علي أي من هذا غير الكلام المرسل ، وأكبر دليل علي عدم صدق الإخوان هو فشلهم في إشعال أي ثورة سلمية قوية منذ نشأتهم ، بل إن الأحداث التي سنتلوها تؤكد أن العنف والقتل والإرهاب كانت الوسائل المثلي لبعض منتسبي الجماعة من أجل التخلص من المعارضين وإحداث التغيير السياسي .
نستكمل المسير في مقالنا القادم بإذن الله .
أبوبكر أبوالمجد
صحافي وباحث مصري
دراسات عليا في النظم السياسية
عضو مجلس المستشارين بوكالة أوبينيون ديبلوماتيك

0 التعليقات:
إرسال تعليق